هذا ما قاله د. مصطفى محمود , العالم العربي المعروف في كتابه : لغز الحياة , حيث قال : وأحسب القارئات لن يغضبن كثيرا هذه الليلة , (( أي بعد قراءة المقطع الخاص بالحشرة )) , إذا قال لهن الأب الغاضب أنتن حشرات , فحشرة النحل ملكة وإمبراطورة عظيمة يخضع لإشارتها الكل وأعود لبدء حديثه عن الحشرات : النمل , النحل ... ولكني هنا أنتقي حديثه عن النحل ..بشيء من التصرف .. _الحشرات التي نراها الآن صغيرة دقيقة ضئيلة , كان لها عند ميلادها شأن آخر .. منذ 300مليون سنة كان الصرصور طوله ( نصف متر ) , وكانت حشرة أبو المقص الجميلة الرقيقة التي تراها طائرة هفهافة على موارد الماء , كانت حين ذاك تقارب ( المتر طولا ) , وكان أزيز طيرانها يسمع على بعد عدة كيلو مترات كأنها طائرة منقضة تزمجر بمحركاتها .. ولكن صراع البقاء لم يدع من هذه الحشرات إلا السلالات الأصغر حجما .. كانت هي التي أفلتت من الاتهام .. وكانت هي الأقدر على الصيام الطويل والاختباء والتكيف مع الظروف المتغيرة.. وأقدر الكل ولا شك ..كانت الصغيرة الضئيلة التي اسمها ( النحلة ). هل ألقيت نظرة على خلية نحل ؟..إنها نظرة تستحق المخاطرة على الباب سوف تجد الحراس شاكي السلاح ( ومن جرب لسعة زبان نحلة يعرف ماهو ذلك السلاح الذي يحمي به النحل دياره ). وسوف تجد عدداً من النحل لا عمل له إلا الضرب بأجنحته باستمرار لدفع الهواء النقي إلى داخل الخلية لتجديد هوائها . فإذا دخلت خطوة ربما رأيت فأراً ميتا لقي مصيره نتيجة شهيته التي لم يستطع مقاومتها إلى تذوق العسل , وهي مذبحة في العادة لا تستغرق أكثر من دقائق يتحول بعدها الفأر إلى حيوان مشلول تماما نتيجة لسع النحل ثم يموت . ولكن المنظر المثير حقاً هو منظر ملكتين من ملكات النحل تتبارزان حتى الموت وحولهما بقية شعب الخلية يتفرج في رهبة ولا يتدخل , فا الخلية لا تتسع إلا لملكة واحدة , وعلى إحدى الملكتين أن تموت أو ترحل لتبني خليتها وحدها . ويبدو أن النحلة مهندسة عظيمة . تلك الجدران الجميلة المقسمة إلى آلاف الغرف السداسية البديعة ذات الهندسة المحكمة حيث تضع الملكة بيضها كل بيضة في غرفة ويرعى جيش النحل العامل هذا البيض حتى يفقس إلى يرقات فيطعمه بالعسل حتى يتحول إلى عذارى , فيغطيه بالحرير ويغلق عليه الغرفات حتى يستوي عوده ويتحول إلى نحل بالغ , فيخرج ليشارك في نشاط الخلية . وثمة غرفات خاصة لخزن العسل والشمع ..وغرفات خاصة واسعة لإيواء الأميرات بنات الملكة !! ثم جيش عاطل من الذكور .. تنظيم دقيق وتوزيع صارم في الوظائف , وتعاون إلى درجة الفداء . لابد أن هذه النحلات تتفاهم فيما بينها بلغة ما . ومن بين اللغات المحتملة .. وسوف تدهش حينما تعلم أن هذه اللغة هي الرقص .. بالإشارة واللفتة والحركة والرقص يتكلم النحل .. هذه النحلة العائدة من الحقول اكتشفت زهورا قريبة مليئة بالرحيق , والإشارة التي سوف تعبر بها عن هذا الاكتشاف هي أن تدور راقصة في حركة دائرية وهي تخفق بجناحيها ثم تضع قطرة من الرحيق فيشمها النحل العامل ليحفظ رائحتها جيدا ثم ينطلق إلى الزهور , فإذا كانت الزهور المكتشفة بعيدة على مسافة أكثر من مائة متر, فإنه لابد أن تشير النحلة إلى مكانها بالضبط , ولهذا فهي ترقص على شكل دائرة يشقها خط إلى نصفين .. وهذا الخط سوف يشير إلى اتجاه الحقل الذي فيه الزهور .. وهي سوف تمشي على هذا الخط وهي تهز بطنها هزات سريعة إذا كان الحقل على مسافة متوسطة وبطيئة إذا كان على مسافة كبيرة , وعيناها ستكونان دائما ناظرتين إلى اتجاه الحقل .. وسوف يفهم النحل العامل الإشارة وينطلق إلى حيث يشير الخط على يسار الشمس أو عن يمينها وبنفس الزاوية التي رسمتها النحلة في أثناء رقصتها , فيصل إلى المكان تماما . ولاشك أن النحلة المهندسة كيميائية عظيمة , لأنها استطاعت أن تصنع السم والعسل واستطاعت أن تجهز الشمع والرحيق .. إن لها يدين , كل منهما ملعقة وفرشاة ومكنسة وخرقة ممتازة للتنظيف والمسح . إنهما لتقومان بعشرات الوظائف في وقت واحد .. (( والجناحان .. إنهما مزودان بعضلات مذهلة تنقبض لتضرب النحلة الهواء خمسمائة مرة في الثانية ..أي مخلوق رائع )) !! وأي مجتمع ! وأي نظام ! إنهم ليأخذون من كل حسب طاقته ويعطون لكل حسب حاجته . وكأنما نحن في كوميون خيالي من الكوميونات التي يحلم بها ماوتسي تونج , ولسنا في خلية نحل .. ثم يقول : وهذه هي الحشرة .. نفس الحشرة التي يذكرونها في مقام السخرية , فيقولون لأحقر الناس شأنا : أنت حشرة .. وإنها لسخرية ليست في مكانها واحسب القارئات لن يغضبن كثيرا هذه الليلة إذا قال لهن الأب الغاضب : أنتن حشرات , فحشرة النحل ملكة وإمبراطورة عظيمة يخضع لإشارتها الكل . إن فكرة أن تكون الواحدة حشرة ليست سيئة بقدر ما نعتقد !! صحيح أن حشرة دودة القطن تأكل القطن وتأكل العملة الصعبة .. ولكن دودة القز تصنع الحرير ..والفراش يلقح الزهر , فيثمر الشجر ..والنحلة تصنع العسل .. بقي أن أقول سبحان الله الخلاق العظيم بديع الصنع والإتقان .. ماخلق شيئا إلا لحكمة , ويكفي هذه الحشرة تشريفا أن أفردت لها آية في القرآن الكريم .. وصدق الله عز وجل عندما يقول على بعض الكفرة والمغفلين من بني آدم ( إن إلا هم كالأنعام بل هم أضل ) , وبالفعل لتفكير نحلة وتنظيم مسكنها ومعسكرها وتوزيع أفرادها .. لأمر يبعث على التأمل تلو التأمل... ولله في خلقه شؤون ..
الاربعاء, 15 شوال, 1429
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








